إن الحال التي عليها هذا المجتمع المبارك من تمسك بالإسلام ، ورفضٍ لكل ما يناقضه ، جعل جماعة ( التخريب والإفساد ) الفكرية بكافة تصنيفاتها تتحرك فوق صفيحٍ ساخنٍ لا تقرُّ أقدامهم فيه على أسلوبٍ ومنهج واضح ، فحرارة الغيرة الظاهرة على الإسلام في هذا المجتمع تجعلك لا ترى شيئاً يتقلب ويتغير وينقلب رأساً على عقب وبطناً على ظهر كمثل أطروحات أولئك المفسدين.
لقد ركب القوم في سبيل تمرير أفكار الضرار كل مركب ، وساروا مع كل طريق ، وسايروا كل سائر ، وجمعوا بين السهل والجبل ، والشرق والغرب ، واليمين والشمال ، فعلوا ذلك – بذكاء وغباء - ليفعلوا فعلتهم في هذا المجتمع.
لقد تعلم القوم جيدا أن المسلم قد يستهين بالمحرمات ، ويتساهل بالواجبات ، لكن هذا التساهل والتجاوز لا يمكن أن يؤدي به إلى رفضٍ لدينه ، أو قبولٍ لرؤى وأفكار تصادم هويته ، فالشهوة لا تنقلب لشبهة ، والهوى لا يضرب الهوية ، فالمسلم قد يشرب الخمر ، لكنه لا يقول عنه بأنه حلال ، والمرأة قد تتساهل في نزع الحجاب ، لكنها لا تراه حرية وتطورا ، فأعمل المفسدون الحيل ، وركبوا الذرائع ، وفكروا وقدروا فكانت تلك الذرائع والحيل الكثيرة التي في ظاهرها تمسك بالشرع ، وفي باطنها سلخ لقيم الدين ، ومسخ لأحكامه.
كنت – ولا زلت – أتابع باهتمام أطروحات القوم في جميع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة ، فأعجب من اتفاقهم في الهدف ، مع افتراقهم في الفكر ، وأعجب أكثر حين أجد اتفاقهم على الحيل والذرائع التي يسلكونها في سبيل الوصول لمآربهم ، أفتواصوا به !
الذريعة الأولى :
أن الخلاف في فهم النص لا في ذات النص، وأن الحقيقة نسبية لا يصح لأحد أن يحتكرها ، وأن الخلاف إنما هو مع الاجتهاد الفقهي لا مع الفقه ، ومع الرؤية المتطرفة لا مع حقيقة الدين .
وهذه أم خبائث هذه الذرائع ، فهم يتوهمون أنهم يخالفون فهماً خاطئاً للنص ولا يخالفون ذات النص.
ويتجلى أمر هذه الذريعة في نقاط محددة :
1- أنك تجد هذه الرؤية - التي لا يرونها تعارض النص - مقررة في نفوسهم من قديم ، وكانوا في وقت من الأوقات يطرحونها على أنها الخيار الصحيح ولو عارضت الدين ، فالدين ليس حكما في شؤون الحياة ، فلما تشربت عقولهم وقلوبهم هذا المبدأ المصادم جاؤوا بعد هذا ليقولوا للناس نحن لا نعارض الدين بل نعارض فهما متشددا للدين!؟
2- أن وجود الاختلاف في الفهم لا يعني تسويغ هذا الفهم ، فمجرد وجود فهم آخر لا يعني أنه فهم مقبول ، فضلاً عن أن يكون صحيحا .
3- وعلى درج هذه الذريعة : فكل المسائل والأحكام ، بل والعقائد والأصول الشرعية قد وقع فيها اختلاف في تفسيرها؛ بدءاً من الشهادتين وأركان الإسلام وجميع العقائد بلا استثناء ، فهل يقول القوم بأن الخلاف فيها سائغ لأنه فهم للنص!وهذا إلزام لا محيد لهم عنه ، فسفسطة هذا ( فهمي وفهمك ) ، لا يمكن أن تسلم لهم إلا إذا قبلوا كل فهم مهما كان ، وعليه : فأي شخص يرغب في مخالفة أي أمر من الأمور الشرعية ما عليه سوى أن يقول هذا فهمي، ولا بد أن تحترموا تفسيري للنص ، وأذكر أني قلت لأحدهم قديماً : أعطني أي شيء تراه أنت أنه من الإسلام؟ ، وكنت سألزمه بوجود فهم آخر له ، وقد فطن لما أريد فكان جوابه : أن الإسلام هو بحسب ما يراه كل شخص في نفسه !!
فأي شيء تراه وتظنه الإسلام فهو هو الإسلام ، وما عليه المرابي – مثلا - إلا أن يتصور أن الربا جائز في الإسلام ليكون فعله مباحاً وصحيحاً..!!
4- بل ويلزمهم أن لا يقروا بالصحة والحقيقة لدين الإسلام ، بل يكون الإسلام تفسيراً واحداً للدين ، لا يمكن لأهله أن يقطعوا بصجته ، إذ الحقيقة ليس ملكاً لهم ، وهذه النظرة السفسطائية وإن كانوا يختلفون في الأخذ بلوازمها إلا أنها أوجدت شكاً وضفعاً لديهم في الأخذ بأحكام الدين – من مقلٍ ومستكثر - ، لأن الخوف من احتكار الحقيقة وهمٌ رماهم في متاهاتٍ سحيقة من الظلمات والشكوك .
5- وهذه الذريعة تصح وتكون صحيحة ومقبولة لو كانت في المسائل الاجتهادية التي لا نص ظاهر فيها ، حيث لا يمكن القطع بصحة فهمٍ على آخر ، وأما أن يؤتى بهذه السفسطة في مسألة أجمع عليها العلماء ، أو جاء النص ظاهراً وجلياً فيها ، فلا معنى له سوى عدم إرادة الامتثال.
6- ثم إن هذه الطريقة في التعامل مع النصوص لا نجدها تشهر إلا في وجه النصوص الشرعية ، فلا نجد أحدا مثلا يبتدع رأياً جديداً في الديمقراطية مثلاً ويقول هذا فهمي لها ، ولا يجوز أن تحتكروا الحقيقة ، فلكل فهمه! ، وقل مثل هذا في الأنظمة الإدارية والسياسية لا نجد أحدا يقرر مثل هذه السفسطة ، بل لو قالها شخص لضرب به مثلا في الغباء والبلاهة ، حاشا النصوص والأحكام الشرعية ، فهي حمى مستباح ، فكل من يملك قلماً ويكتب شيئاً فواجبنا أن نتقبله ونحترمه ، ونجل فكره وفهمه !
يتبـــــــع في موضوع مستقل ان شاء الله ...
المصدر صيد الفوائد